في مواضيع سابقة ، تم التطرق إلى الفكر و اللغة و اللسان الثلاثية التي تميز الأفراد و بالتالي الجماعات كأمم و شعوب . و من خلال هذه الثلاثية يتم تمييز الأصلح من الأطلح . ومن خلال اللسان يتم التعرف على هوية المتحدث إن كان للعروبة ينتسب أم للإفرنج منتسب أم للعبرية متفرع . واللغة عبارة عن تاج فوق الرؤوس أو أوسمة فوق الصدور ليراها الناس لتُبين مكانة وقيمة حاملها ...
وتم تشبيه في تلك المواضيع المذكورة ، اللسان مثله تماما مثل المترجم للفكر و هوية المتحدث أو وكيلا معتمدا من خلاله يُعرف ماذا يدور في فكر الشخص. وأيضا تم التوضيح أن لا دخل للغة وأداتها اللسان في تقدم الأمم أو تأخرها، وإنما يعود ذلك للفكر. إذا كان هذا الأخير معطلا حتى لو كان الشخص أو الأمم له أو لها ألسنة طول الحبال يُمكن أن تلف بها كواكب المجموعة الشمسية بالكامل ، تبقى بلا فائدة مادام الفكر "خارج الخدمة"...
هذه مقدمة للدخول في الموضوع ، يتعلق بظاهرة منتشرة في المجتمعات العربية ، على الأقل حسب مدى نظري ومسمعي. هذه الظاهرة لفئة ، رغم إنها أقلية في مجتمع و محيط "للعروبة ينتسب " . قلت ، أقلية لكنها تملك لسانا مستوردا طوله أكبر بكثير من حجمها الحقيقي. تملك لسانا من شدة انتفاخه الزائف حتى تحسبه كيسا مملوءا بالهواء صوته أكبر من تاثيره ، ( تجنبا لتعبير اخر احتراما للمقام) ...
هذه الفئة "المتعجرفة " ، التي تجدها غالبا في الإدارات أو المصالح الخدماتية تحتك مباشرة مع كل فئات المجتمع من المثقف و الغير المثقف و من الذي لا يحسن حتى لغته الأصلية ، فما بال لغة مستوردة من وراء البحار...
ترى تلك الفئة المذكورة تتباهى ، تخاطب و تشرح لهؤلاء باللسان المستورد وتتحول تلك المخاطبة إلى استهزاء و سخرية وحتى إلى غضب وتعنيف إن كان ذلك الشخص لا يفهم ما سمعه من المتحدث...
أتذكر دائما أختي ، رحمها الله ، عندما كانت تعالج من مرض كان سببا في وفاتها ، طبيبتها المعالجة كانت تشرح لها باللغة الفرنسية التي لا تفهمها لكنها من الخجل كانت لا تفصح لها عن ذلك...
رغم أن من المفروض أن تلك الطبيبة هي التي عليها الخجل من نفسها و ليس المريضة. لأن تلك الطبيبة إذا كانت لا تحسن لغة البلد التي تنتمي إليه كان بالأحرى عليها استئجار مترجم تدفع له قليلا من تلك المبالغ الضخمة التي تقبضها يوميا من طوابير المرضى الذين يدفعون ولكن لا يفهمون ما يقال لهم ...
لنتخيل طبيبا في فرنسا ، مثلا، خاطب مريضه بلغة لا نقول العربية ، لأن ذلك ستصبح قضية رأي عام ، و إنما باللغة الانجليزية ( الأخت و الجارة) ، لدفع ذلك الطبيب ثمنا باهظا تكلفه سمعته ومصداقيته و عليه الاعتذار عشرات المرات ربما يُنجى من العاصفة...
أتذكر دائما ، أيضا، عندما كنت حاضرا في اجتماعا ، أحد الإطارات الذي كان يشرح باللغة الفرنسية ارتكب خطأ لغوي ، قهقه الحاضرون فتدخل المسؤول الذي كان يشرف على الاجتماع ( رغم أنه يحسن اللغة الفرنسية ذهابا و إيابا) ، قائلا للحاضرين : "لماذا هذه القههة ، ليست لغته العيب و لو أرتكب خطأ في لغة لسانه...".
أو مثل أحد زعماء العصر ، عندما شاعت عنه أقاويل من طرف تلك الفئة المذكورة (أصحاب الألسنة المستوردة ) ، بأنه لا يحسن إلا اللغة العربية...
وصلت تلك الإشاعة إلى مسامع الزعيم المذكورة فنظم ندوة صحفية دعا إليها خصيصا تلك الفئة المذكورة. خاطب ذلك الزعيم الحاضرين باللغة التي يعشقونها أكثر من أصحابها الأصليين ، مستعملا مفردات لا يفهمها إلا من كان المتمكن الحقيقي في اللغة على وزن "فولتير". فكانت صفعة قاسية لهؤلاء وخرست ألسنتهم للأبد. هكذا يكون الحال مع الكبار و العظماء ، أصحاب ثقة و عزة النفس ، الذين يميزون ما هو الأصلي وما هو المستورد . وأن اللغة تاج فوق رؤوس الشرفاءُ. فما هو الحال إذا ضاع اللسانُ و الشرفُ. ...
بالمختصر المفيد ، على صاحب اللسان العربي الأصيل ألا يخجل أمام هؤلاء أصحاب الألسنة المستوردة وعلى هؤلاء عليهم الشعور بالخجل . وهذا لا يعني أننا نفرط في التعلم كل اللغات، إن استطعنا لذلك سبيل ، لكن تبقى لغتنا تاج فوق رؤوسنا ووساما على صدورنا...
بلقسام حمدان العربي الإدريسي
08.03.2016
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق